المغرب بين العار و النار

محمد فاضل محمد سالم

في مقال سابق أشرنا الى أن الخلاف السعودي- المغربي و الذي لا زال مستمرا رغم مسعى الحكومة المغربية التستر عليه،أن من بين أسبابه الرئيسية التسابق الى كسب وُدٍ امريكا و رئيسها السيد اترامب و بسط السجادة الحمراء أمامه لفرض على الفلسطنيين ” صفقة القرن” التي فحواها بكلمة واحدة: دولة اسرائيل بدون حدود مع فلسطين.
فالمغرب لعب كل اوراقه دفعة واحدة، من أجل استمالة الإدارة الأمريكية والحد من إندفاعها الى تغير الوضع القائم في الصحراء الغربية سواء بالحل النهائي أوسواء بانسحاب المينورسو و عودة الحرب. فقام بقطع الطريق أمام المملكة العربية السعودية في خطتها التدريجية للتطبيع مع اسرائيل وحاول ابتزازها بتمطيط صفقة القرن الى الصحراء الغربية بحيث أنه مايٌراد تطبيقه على الفلسطنيين هو نفسه الذي يريده المخزن، مملكة المغرب: بدون حدود مع الصحراء الغربية! ؟ فاستدعى الى الرباط رموز اللوبيات اليهودية في امريكا، و نظمت دبلوماسيته لقاءات عدة مع كبار المسؤولين في الكونكرس و الإدارة الأمريكية في مقدمتهم رئيس الأمن القومي و وزير الخارجية،و راجت أخبار باستعداد المغرب لإستقبال نيتنياهو الوزير الأول الصهيوني وطار اسي بوريطة الشهر الماضي الى “وارسو” ليحضُر الى جانب رئيس الكيان الإسرائيلي و باقي وزراء الخارجية عملية تسليم وثيقة “صفقة القرن ” التي قدمها السيد كوشنير مستشار و صهر ترامب الى المشاركين، إلا أنه و رغم كل ذلك يبدو أن امريكا فضلت أن لا تغضب السعودية، وتؤكد الأنباء أن السيد كوشنير قد أسقط من جولته الحالية الى الشرق الأوسط و بعض الدول الأخرى، أسقط المملكة المغربيةمن برنامجه. قبل ذلك وفي بادرة غريبة لدولة تحترم نفسها يقطع المغرب علاقاته الدبلوماسية فجأة مع ايران ويلصق بها أكثر من تهمة و القصة يعرفها الجميع و في الأسابيع القليلة الماضية يسارع الى التدخل في شؤون دولة فينزويلا بتأليبه لشخص مازال في المعارضة ضد الرئيس الشرعي للبلاد. لقد قدم المخزن كل ذلك إرضاءا لأصحاب القرار في واشنطن و ربما يكون ماخفي أعظم. إن الهدف واحد هو العار و لا النار: الفضيحة، الإنبطاح و بيع المواقف بأبخس الأثمان من أجل الإفلات بجلده من نار بدأت تستعر تحت أقدامه و ربما لن تتيح له الفرصة لإسترجاع أنفاسه مرة أخرى.
المغرب الذي أصبح هامش المناورة لديه ضيق و عامل تمديد الوقت الذي كان يرتاح له لم يعد ممكنا امام اصرار المبعوث الأممي الألماني كوهلر المدعم أمريكيا و بإجماع من مجلس الأمن على تسوية نزاع الصحراء الغربية في أسرع وقت ممكن، حتى يتسنى للقوى العظمى تنفيد مشروع الشرق الأوسط الكبير و شمال إفريقيا و الذي سيَفْرٍض حسب تسريبات الصحافة الأمريكية تغييرا جدريا في الجغرافية و الخرائط الترابية ويفرض تغير الأنظمة المتهالكة على شاكلة مملكة القرون الوسطى المغربية، يٌدْفَعُ مجبرا الى السقوط الحر من علياء كبريائه و تعنته ليقبل مكرها مسايرة الرغبة الدولية في انهاء نزاع الصحراء الغربية من خلال القبول المحتشم لخطة السيد كوهلر والإستعداد لمفاوضات مباشرة مع جبهة البوليساريو دون شروط مسبقة و تحت رقابة مجلس الأمن الدولي و أعين الولايات المتحدة الأمريكية و بذلك يتجنب قرارات دولية ثقيلة ربما لن يتحمل عبئها طويلا.
فرنسا التي تحتل الصحراء الغربية بجيش المغرب و تستعمل الفيتو لتعطيل قرارات مجلس الأمن وجدت نفسها في وضعية شاذة أمام رغبة روسيا و الولايات المتحدة و ابريطانيا و المانيا في الإنتقال بالقضية الصحراوية الى مستوى البحث عن حل حقيقي بدل الدوران في الفراغ بل أصبحت صوت نشاز في مجلس الأمن مما يفقدها المصداقية كدولة محترمة ذات مصداقية وتجد نفسها في تناقض وهي تجلس الى جانب ممثلي الشعب الصحراوي في قمتي ابيدجان و بروكسيل للإتحادين الإفريقي و الأوروبي و تُعارض الإجماع الدولي حول حق هذا الشعب في تقرير المصير. فمع ازدياد الضغط على الرباط و شعور باريس بالعزلة ومع إقتراب القضية الصحراوية من الحل أو على الأقل ظهور بوادر جديدة مشجعة ،تسارع فرنسا الى تسجيل حضورها بقوة وبأي ثمن في أية تسوية و إن أمكن توجيه الحل الى مايخدم مصالحها و مصالح محميتها: المملكة المغربية بعدما ان أصبحت عاجزة عن عرقلة توجهات مجلس الأمن.
يتجلى ذلك في ثلاث مبادرات أقدمت عليها الحكومة الفرنسية في أقل من اسبوع تزامنا مع أجَنْدَة السيد كوهلر الحالية تزكي إعتقادنا في الرغبة المحمومة للحكومة الفرنسية في التدخل المباشر في مسار التسوية:
أولها: تصريح وزيرة الدفاع الفرنسية السيدة فلورانس بارلي أثناء مداخلتها حول منطقة الساحل في ملتقى ميونخ للأمن بأن حل قضية الصحراء لن يتجاوز سنة 2020. لماذا هذا التصريح في هذا الوقت بالذات؟ و على أي معطى أسندت الوزيرة كلامها؟ على اية حال يذهب بنا الإعتقاد الى ان “الطبخة” التي تُحضر الآن في العواصم الغربية تتجاوز قضية الصحراء الغربية الى دول الساحل بل كل الشمال الغربي الأفريقي، فالولايات المتحدة الأمريكية من جهة و فرنسا و حلفائها من جهة أخرى كلٌ يريد ان يُسجل نقاطا لصالحه في هذه المنطقة من افريقيا. إنها لعبة الأمم!
ثانيهما: جر السيد كوهلر الى باريس للقاء الوفد المغربي عوض برلين أين يلزم أن يكون هذااللقاء، تعد اشارة واضحة من أن فرنسا معنية أكثر من غيرها بموضوع التسوية و أن أي شيء لا يرضيها لن تقبل به و أن قرار التفاوض هو بيد باريس و ليس الرباط و إن كانت هذه الأخيرة هي التي في الواجهة.
ثالثهما و هذا هو الأهم ،بمجرد أن أعلن مجلس الأمن الدولي عن برمجة أربع جلسات لمناقشة تطورات قضية الصحراء الغربية خلال شهر أبريل المقبل مباشرة بعد انتهاء الجولة الثانية من المحادثات بين أطراف النزاع المرتقبة في الأيام القليلة القادمة بمدينة جنيف السويسرية، سارعت فرنسا الى الإعلان بأنها ستتولى مع ألمانيا رئاسة مزدوجة لمجلس الأمن خلال شهري مارس وأبريل، و هذا يحدث ناذرا إن لم يكن لأول مرة في تاريخ المجلس. رئاسة مجلس الأمن الدولي كما تنص عليه المادة 18 من القانون الداخلي تكون ” بتداول أعضاء مجلس الأمن بحسب الترتيب الهجائي الإنكليزي، و يشغل كل رئيس منصبه لفترة شهر تقويمي” .
إن هذا يمنح الفرصة لفرنسا بأن تترأس إحدى أو اغلبية الجلسات الأربعة المخصصة للصحراء الغربية في شهر أبريل القادم بعدما كانت محرومة من ذلك، بحكم أن فترة رآستها للمجلس مقتصرة على شهر مارس الحالي ثم تليها المانيا في شهر ابريل و هذا يمكن أن يعطي انطباعا أوليا على منطقية هذا التعاون، لاسيما بين بلدين معنين بالموضوع فرنسا المدافعة عن المصالح المغربية التي هي مصالحها و المانيا المدافعة و المؤيدة لرئيسها السابق لأن نجاحه نجاحها و تريد أن يكون لها دور في القضايا الدولية، لكن الحقيقة هو بحث فرنسا عن سند قوي يقف الى جانبها أمام الولايات المتحدة و بقية أعضاء المجلس و يَحُدُ من إندفاعة السيد كوهلر الذي سيجد نفسه على الأقل اخلاقيا مقيدا بموجوب الرئاسة المشترك لدولته المانيا وفرنسا لمجلس الأمن الدولي.
لاشك أن الجولة الثانية المرتقبة من المحادثات بين الوفد الصحراوي و المغربي بجنيف سترسم، على الأقل، للجانب الصحراوي الى أين تسير الأمور و في انتظار ذلك و مهما كانت النتائج فإن على الوطنيين الصحراويين و على النخب الصحراوية من قيادات و اطارات الجبهة الشعبية بأن تُقييم الوضع جيدا و تدرك بأن قضيتنا الوطنية في منعرج خطير مما يستدعي الإستنفار و تجنيد كل الطاقات و تلاحم الصفوف و الإبتعاد عن المعارك الهامشية التي تشغل بالنا عن الهدف المنشود الذي هو الأستقلال الوطني و فرض الجمهورية على كامل ترابها الوطني. فل ننسف بوحدة صفوفنا و إرادة شعبنا مؤامرات فرنسا الإستعمارية و نُبقي محميتها المغرب بين العار و النار.

.

المغرب بين العار و النار

by رابطة الصحفيين time to read: <1 min
0