الألمان قادمون

بقلم محمد فاضل محمد سالم

ان الأحداث المتسارعة على الساحة الدولية توحي بأن العالم سائر نحو تعدد الأقطاب. فظهور المانيا المفاجيء و لو من الباب الليبي – بعد صعود نجم الصين و الروس- يؤكد بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تبقى اللاعب الوحيد على الساحة الدولية يُخطط السياسات و يحدد الإستراتجيات حسب هواه.
فأوربا التي وجدت نفسها متخلفة عن الكبار بسبب جُبن ساستها وتبعيتهم للعم سام و خضوعهم لإملائاته و شروطه، تتحسس اليوم نفسها وتعود الى تاريخها و لو مكرهة لتجد في الألمان كما في الماضي القوة العنيدة الصدامية و القادرة على وضع أوربا في المكان اللائق بها في عالم المصالح و الصراعات الجيوإستراتجية.
لماذا المانيا و هي التي نأت دائما بنفسها عن التدخل في النزاعات الدولية، تبرز اليوم في واحد من أخطر الصراعات و أكثرها تشابكا في المصالح؟ اليس ذلك تدخلا سافرا في الحديقة الخلفية لعدوها التاريخي فرنسا،أي المغرب العربي؟ إستدعاء الألمان للجزائر لمؤتمر برلين و إقصاء المحميتين الفرنسيتين المغرب و تونس ألا يُعد رسالة واضحة تفيد بأن الدور الفرنسي في الشمال الأفريقي قد إنتهى؟ تأييد المانيا للموقف الإيطالي من النزاع الليبي و تناغمها مع الرؤية الروسية – التركية على حساب الموقف الفرنسي و اتباعه ألا يظهر ان الألمان اداروا الظهر للجارة الضعيفة الحقودة؟
إن هذه الأسئلة تجد أجوبتها في الرغبة الألمانية في ريادة أوربا بعد الخروج البريطاني منها و خاصة في الضعف و العجز و الترهل
الذي عليه الجمهورية الفرنسية منذ رئاسة البَنْكِيُّ مانوييل ماكرون. ففضلا عن الإستنزاف الذي يعرفه الأقتصاد الفرنسي من جراء الإضرابات و المظاهرات الشعبية التي تدخل أسبوعها الثامن و الأربعون، تقلص النفود الفرنسي عبر بقاع العالم ، ” فرنسا ارحلي، La France dégage ” وتصاعد الرفض الشعبي للهيمنة الفرنسية على خيرات الشعوب الأفريقية و اصبح شعار ”
هو الشعار السائد في مجموع دول الساحل و باقي الدول الإفريقية الفرنكوفونية التي هي أفقر دول القارة. ففرنسا مريضة و إن تظاهرت بصحة الجسد، فماكرون لم نشاهده في برلين و إن كان موجودا فيها، فقُزِّم حجمه أمام الكبار: المستشارة مركيل، بوتين، جنسون،كونتي الرئيس عبد المجيد الجزائري تبون و التركي طيب أردوغان و عجز ماكرون رغم كل الضغوطات التي مارسها على فرض مشاركة خليلته المدللة المغرب التي استجدت و استعطفت و ذرفت الدموع من أجل فقط تسجيل اسمها في لائحة المدعوين.
إن الألمان معروفون بالدقة و الصرامة و إن توجهوا الى شيئ يعرفون مسبقا نتائجه، وإن كنا لا نجزم عن ماستحققه المبادرة الألمانية على أرض الواقع بالنسبة لحل القضية الليبية، لكن من الظاهر و المؤكد أن الألمان يريدون فرض رؤيتهم الخاصة و توجههم المتميز في السياسية الدولية فمبادرة المانيا المفاجئة بعقد مؤتمر شبه دولي يضم ثلاثة اتحادات قارية و منظمة الأمم المتحدة إضافة الى دول وازنة أثار حساسية و دهشة عدد كبير من من كانوا يحتكرون القرار السياسي الدولي و اهتمام واسع في الأوساط الإعلامية و السياسية من بكين شرقا الى واشنطن غربا.
من نافلة القول أن توجه المانيا الحديث و مسعاها لأن تَدخُل المجال المغاربي و الدولي بتسوية الصراع الليبي إعتمادا على الخبرة الجزائرية و موقف هذه الأخيرة المتزن بين الفرقاء الليبيين، فضلا عن منازعتها فرنسا لحق الفيتو في مجلس الأمن، يضع أوراقا إيجابية في يد جبهة البوليساريو إن أحسنت إستغلالها، تُكسر بها أجنحة فرنسا و تحشر المغرب في زاوية دويلتي القُمر و سيني غامبي اللتين تنتظران أموال المغاربة لتسديد فاتورة حقهما في التصويت في الأمم المتحدة !
بقلم: محمد فاضل محمد سالم

الألمان قادمون

by رابطة الصحفيين time to read: <1 min
0